قد يتشاجر طفلان على لعبة، أو يختلفان أثناء اللعب، أو يقول أحدهما كلمة تغضب الآخر. وبعد ساعة ربما يعودان للعب وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الغريب أن الموقف نفسه قد يستمر بين الكبار أيامًا، وأحيانًا يتحول خلاف بسيط بين أبناء الإخوة إلى حساسية بين أخ وأخته، أو بين أختين، وربما إلى قطيعة عائلية أطول بكثير من عمر المشكلة التي بدأت بين الأطفال.
وهنا يستحق الأمر أن نسأل: لماذا يستطيع الأطفال تجاوز خلافاتهم أحيانًا أسرع منا؟
ربما لأن المشكلة لا تكون في الأطفال وحدهم. فشكل العلاقات العائلية نفسه تغير. أصبحت فرص اجتماع الأسر أكثر تنوعًا؛ زيارات، مطاعم، استراحات، شاليهات، سفر، مناسبات وفعاليات للأطفال. وهذا شيء جميل في أصله، لكنه يعني أيضًا ساعات أطول من الاحتكاك بين أبناء العائلة. وكلما زاد الوقت الذي يقضيه الأطفال معًا، زادت بطبيعة الحال فرص الاختلاف بينهم.
اولاً،قد لا يكون أطفال اليوم أكثر شجارًا من أطفال الأمس، لكن فرص اللقاء والاحتكاك قد تكون مختلفة.
ثم دخلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة أخرى من العلاقة. أصبحنا نعرف عن أبناء بعضنا تفاصيل أكثر؛ نرى التفوق الدراسي، والهدايا، والملابس، والسفر، وحفلات الميلاد، والهوايات والإنجازات..إلخ. ولا يعني كل نشر تباهيًا، ولا تعني كل مشاهدة غيرة أو مقارنة، لكن كثافة التفاصيل تجعل المقارنة أسهل حتى عندما لا يقصدها أحد.
وقد تبدأ المقارنة بين طفلين، ثم تتحول دون أن نشعر إلى مقارنة بين أسرتين وطريقتين في التربية، ولهذا قد لا تبقى مشكلة الأطفال مشكلة أطفال طويلًا.
فعندما يقول أحد الوالدين: «ابنك ضرب ابني»، قد يسمع الطرف الآخر شيئًا أكبر من وصف موقف حدث أثناء اللعب. ربما يسمع: «أنت لا تعرف كيف تربي ابنك». وعندما يرد: «وابنك هو الذي بدأ»، لم نعد نحاول فهم ما حدث بين طفلين، بل بدأ كل طرف يدافع عن نفسه وعن تربيته أيضًا.
هناك تغير آخر أعتقد أنه يستحق الانتباه، وهو الطريقة التي نتعامل بها مع رواية الطفل.
فمن المهم أن يسمع الأب والأم أبناءهما، وأن يأخذا شكواهم بجدية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأذى أو تنمر أو أمر يمس سلامتهم، لكن الخلافات اليومية العادية بين الأطفال لها طبيعة مختلفة.
فالطفل قد يقول الحقيقة تمامًا كما عاشها: «ضربني»، لكنه قد لا يخبرك بأنه دفع الطفل الآخر قبله، وقد يقول: «أخذ لعبتي»، بينما كان الاثنان يتنازعان عليها منذ البداية. ليس لأنه يكذب بالضرورة، وإنما لأنه يروي الموقف من موقعه هو، وهذا ما نفعله نحن الكبار أيضًا في كثير من خلافاتنا.
لذلك ربما هناك فرق بين أن نصدق شعور الطفل وبين أن نعتبر روايته وحدها حكمًا مكتملًا على ما حدث، وهنا تظهر مشكلة أخرى: ماذا نفعل عندما يخطئ طفل من أبناء العائلة أمامنا؟
قد يكون من حقك، بل ومن مسؤوليتك أحيانًا، أن توقف سلوكًا يمس طفلك أو منزلك. تستطيع أن تقول لابن أخيك أو أختك: «لا تضرب»، أو «هذا غير مسموح هنا»، أو أن تفصل بين طفلين يتشاجران، ولكن وضع الحد شيء، وتولي تربية طفل شخص آخر شيء آخر.
ليس مطلوبًا منك أن تعاقب كل طفل يخطئ أمامك بالطريقة التي تعاقب بها أبناءك، كما أنك لست مضطرًا إلى قبول كل سلوك بحجة أنه «ليس ابنك». بين التدخل الكامل والصمت توجد مساحة أبسط: ضع حدودك، واترك التأديب لوالديه.
وربما تخفي هذه المساحة وحدها كثيرًا من الحساسية بين الإخوة؛ لأن بعض الخلافات لا تبدأ مما فعله الطفل، وإنما من شعور الأب أو الأم بأن شخصًا آخر تجاوز حدوده في التعامل معه.
وفي المقابل، حماية الطفل لا تعني أن يتبنى الوالدان كل معركة يدخل فيها.
نحن اليوم أكثر وعيًا بأهمية الاستماع إلى الطفل، واحترام مشاعره، وتعليمه ألا يقبل الإساءة. وهذا تطور مهم! لكن ربما نحتاج في الوقت نفسه إلى أن نسأله: ماذا حدث قبل ذلك؟، ماذا فعلت أنت؟، وهل تستطيعان حل المشكلة؟ بدل أن ننتقل فورًا من الاستماع إليه إلى الدخول طرفًا في خصومته.فالطفل يحتاج إلى الحماية، لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يتعلم الاختلاف، والتفاوض، والتسامح، والاعتذار، وأن بعض المواقف الصغيرة يستطيع حلها بنفسه.
وقد يكون هناك سبب آخر لا علاقة له بالأطفال أصلًا!
أحيانًا يأتي خلاف صغير فيجد علاقة بين أخوين تحمل أصلًا تراكمات قديمة: مقارنة بدأت في الطفولة، موقفًا لم يُنس، شعورًا بالتفضيل، اختلافًا ماليًا أو عائليًا، أو حساسية لم يتحدث عنها أحد. عندها يصبح شجار الطفل مجرد مناسبة يخرج من خلالها شيء أقدم منه بكثير.
ولهذا ربما لا يكون السؤال دائمًا: ماذا فعل الأطفال؟
قد يكون السؤال أحيانًا: لماذا كان خلاف صغير قادرًا على تحريك كل هذا بيننا نحن كأخوة؟
الأخوة علاقة طويلة. تبدأ غالبًا قبل الزواج والأبناء والوظائف وتغير الظروف، ثم تكبر الأسرة ويدخل إليها أزواج وأبناء وشخصيات مختلفة، ومن الطبيعي ألا يتوافق الجميع بالطريقة نفسها، ولا أن نربي أبناءنا جميعًا بأسلوب واحد.
ولعل المطلوب ليس أن نمنع أطفال العائلة من الاختلاف؛ فهذا شبه مستحيل، وربما ليس المطلوب أيضًا أن نتركهم يفعلون ما يشاؤون حفاظًا على العلاقة بين الكبار، إنما الأقرب للواقع أن نتعلم التفريق بين خلاف الطفل وعلاقتنا نحن.
نحمي أبناءنا عندما يحتاجون إلى الحماية، ونضع حدودًا واضحة عندما يتجاوز طفل آخر، ونسأل قبل أن نحكم، ونتحدث مع أخينا أو أختنا عن المشكلة دون أن نحولها إلى تقييم لتربيتهم كلها، ومن ثم نترك للأطفال مساحة يفعلون فيها شيئًا يجيدونه أحيانًا أكثر منا:
أن يختلفوا، ثم يكملوا اللعب.
فقد يتشاجر طفلان اليوم على لعبة لن يتذكراها بعد سنوات، بينما تبقى بين والديهما كلمة قيلت أثناء الشجار ولم ينساها، وربما لهذا لا ينبغي أن نسأل فقط كيف نحمي أبناءنا من خلافات أبناء العائلة، بل كيف نحمي علاقاتنا نحن من أن تحمّل خلافات الأطفال أكثر مما تحتمل.
