مع بداية العام الدراسي تعود إلى كثير من البيوت شكوى مألوفة:
«لا يكفيني الوقت».
تستيقظ الأم وهي تفكر في المدرسة والواجبات والطعام والنوم وأعمال المنزل. وقد تنجز الكثير، ثم تصل إلى نهاية يومها وهي تشعر أنها لم تنجز ما يكفي.
وغالبًا ما نقدم لها نصيحة جاهزة: نظمي وقتك.
لكن ماذا لو لم تكن المشكلة كلها في وقت الأم؟
ماذا لو تغير إيقاع المنزل نفسه؟
عندما كان اليوم ينتهي
لا يعني الحديث عن الماضي أن الحياة سابقًا كانت أفضل في كل شيء، لكنها كانت مختلفة.
كانت مصادر الترفيه محدودة، والتلفزيون مرتبطًا بمواعيد، والتواصل مع الأصدقاء له نهاية، ومع حلول الليل يهدأ البيت تدريجيًا.
كان أفراد الأسرة، بدرجات متفاوتة، يعيشون في توقيت متقارب.
أما اليوم فقد تجتمع الأسرة تحت سقف واحد، بينما يعيش كل فرد منها في توقيت مختلف. هاتف، لعبة، منصة، محادثة أو محتوى لا يرتبط بموعد الأسرة.
لم نعد نختلف فقط فيما نفعله، بل في توقيت حياتنا أيضًا.
والهاتف تحديدًا لا يملك نهاية طبيعية؛ ينتهي مقطع ليبدأ آخر، وتنتهي محادثة فتبدأ أخرى.
في الماضي كان العالم من حول الطفل يهدأ ليلًا.
أما اليوم، فالعالم الموجود في يده لا ينام.
عندما يصبح الليل نهارًا
يظهر أثر ذلك بوضوح لدى بعض طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية.
يعود الطالب من المدرسة مرهقًا، فينام ساعات بعد الظهر، ثم يستيقظ مساءً. يبدأ يومه الثاني: مذاكرة، هاتف، أصدقاء أو ألعاب، ثم يتأخر نومه. وفي الصباح يستيقظ بصعوبة، ويعود من المدرسة مرهقًا لينام من جديد.
وتتكرر الدائرة.
وهنا قد تقول الأم: «فقدت السيطرة عليه».
لكن ربما لا يكون السؤال: كيف تستعيد الأم السيطرة؟
بل:
كيف يتعلم الابن السيطرة على يومه؟
فالطفل الصغير يحتاج إلى أن تصنع الأسرة جزءًا كبيرًا من روتينه، لكن كلما تقدم في العمر يجب أن تنتقل إليه مساحة أكبر من المسؤولية.
في الابتدائي نبني العادة، وفي المتوسط نزيد المشاركة والاتفاق، وفي الثانوي يجب أن يصبح الشاب مسؤولًا عن جزء كبير من دراسته ونومه واستعداده ليومه.
فالهدف من التربية ليس أن تصبح الأم أكثر قدرة على إدارة ابنها كلما كبر.
الهدف أن يصبح هو أكثر قدرة على إدارة نفسه.
لا نحتاج إلى إعادة الماضي
لن يختفي الهاتف، ولن يعيش أبناؤنا بالطريقة نفسها التي عشنا بها.
لذلك فإن الحل الواقعي ليس محاربة الحاضر، وإنما أن نصنع داخله نقاطًا ثابتة تعيد للبيت إيقاعه.
يعود الابن من المدرسة، فيأكل ويرتاح ويفعل شيئًا يحبه. ثم يأتي وقت معروف للمسؤوليات الدراسية بحسب عمره واحتياجاته.
والأهم أن يكون للمذاكرة نهاية.
لأن إحدى مشكلات أيام الدراسة أن الطفل يخرج من المدرسة، لكن المدرسة لا تخرج من يومه؛ تظل الواجبات والمراجعة والتذكير ممتدة حتى النوم.
عندما ينتهي المطلوب، يجب أن يشعر الطفل والأسرة بأن:
المدرسة انتهت فعلًا لهذا اليوم.
يجب أن يكون هناك شيء ننتظره
بعد المسؤوليات، لماذا لا يكون للأسرة موعد بسيط تجتمع فيه؟
سناك خفيف، ومسلسل أو برنامج عائلي يختارونه بالتناوب، وحديث وضحك قبل العشاء.
ليس الهدف إعداد فعالية يومية، ولا إضافة مهمة جديدة للأم.
القيمة ليست في الطعام أو التلفزيون، بل في وجود وقت تلتقي عنده ساعات الأسرة المختلفة.
وحتى الهاتف لا يحتاج دائمًا إلى معركة أو مصادرة. يمكن الاتفاق على أن تكون هناك أوقات محددة لا يصبح فيها كل فرد غارقًا في شاشته.
والقاعدة هنا تشمل الكبار قبل الصغار؛ فمن الصعب أن نطلب من المراهق ترك هاتفه بينما الأب والأم منشغلان بهواتفهما.
لا تجعلوا الأم مديرة لهذا النظام أيضًا
وهنا النقطة الأهم.
إذا كانت الأم هي التي ستحدد المواعيد، وتذكر الجميع، وتتابع الواجبات، وتراقب الهواتف، وتجهز الجلسة، ثم تطلب من كل فرد أداء مهمته، فنحن لم نخفف عنها.
لقد نظمنا إرهاقها.
البيت يحتاج إلى توزيع المسؤولية، لا إلى أم أكثر كفاءة في حملها وحدها.
الأب ليس «مساعدًا للأم» في منزل يخصهما معًا، والأبناء ليسوا ضيوفًا ينتظرون الخدمة. لكل فرد مسؤوليات تناسب عمره وظروفه، والأهم أن يعرفها دون أن تحتاج الأم إلى تذكيره بها كل مرة.
فالتذكير والمتابعة والتفكير فيما يجب أن يفعله الآخرون عمل أيضًا، حتى لو لم نره.
وماذا تكسب الأم؟
بالنسبة لربة المنزل، قد يمنحها النوم والاستيقاظ في إيقاع قريب من الأبناء نهارًا أكثر هدوءًا بعد ذهابهم إلى المدرسة.
تنجز فيه ما تحتاج إليه من أعمال المنزل أو شؤونها الخاصة، وتأخذ أيضًا حقها في الراحة.
فالوقت الذي وفرناه لها لا يجب أن نملأه كله بمهام جديدة.
النجاح ليس أن تنجز الأم أكثر، بل أن يبقى لديها وقت وطاقة بعد أن تنجز.
أما الأم العاملة، فلا ينبغي أن تعود من عملها لتبدأ وردية ثانية بمفردها. كلما كان للمنزل نظام يعرف فيه الأب والأبناء مسؤولياتهم، قل اعتماده على وجودها حتى يتحرك.
الحل ليس جدولًا بالدقيقة
ربما يكون الخطأ أن نبحث عن جدول مثالي:
في الثانية نفعل كذا، وفي الرابعة كذا، وفي الثامنة يجب أن ينام الجميع.
الحياة لا تعمل بهذه الدقة، والأطفال وأوقات عمل الوالدين وظروف الأسر مختلفة.
الأكثر واقعية أن نربط اليوم بالتسلسل لا بالدقيقة:
عودة وراحة، ثم مسؤوليات، ثم وقت شخصي وعائلي، ثم عشاء وهدوء ونوم ليلي منتظم قدر الإمكان.
تختلف الساعة من بيت إلى آخر، لكن التسلسل يصبح مألوفًا.
وإذا جاء يوم استثنائي لا ينهار النظام؛ تعود الأسرة إلى إيقاعها في اليوم التالي.
من السيطرة إلى المسؤولية
ربما كان الماضي يساعد الأسرة تلقائيًا على امتلاك إيقاع مشترك.
أما اليوم فعلينا أن نصنعه بأنفسنا وسط أجهزة لا تنام وجداول مختلفة لكل فرد.
ولذلك لن يكون الحل في مزيد من الصراخ والرقابة.
بل في الانتقال تدريجيًا:
من التذكير إلى العادة، ومن الأوامر إلى الاتفاق، ومن السيطرة على المراهق إلى تعليمه إدارة يومه، ومن اعتماد المنزل على الأم إلى مسؤولية يشترك فيها الجميع.
لن تختفي كل الخلافات، ولن يصبح البيت مثاليًا.
لكن قد يقل الركض، ويقل الصراخ والتفاوض، ويعرف كل شخص ماذا يأتي بعد ماذا، وتجد الأسرة وقتًا تجتمع فيه دون أن يكون أحد أفرادها منهكًا من إدارة الآخرين.
فالمنزل المنظم ليس المنزل الذي تنجز فيه الأم كل شيء في موعده.
بل المنزل الذي لا يحتاج إلى الأم كي يتحرك كل شيء.
نحن لا نحتاج إلى استعادة بيت الأمس، ولا إلى صناعة أم خارقة تستطيع السيطرة على بيت اليوم.
نحتاج إلى بيت معاصر لا يحتاج منها أن تكون خارقة أصلًا.
