ليست المهرجانات الصيفية مجرد مناسبات للترفيه وقضاء الوقت، بل يمكن أن تتحول، حين تُحسن صناعة برامجها، إلى نافذة نطل منها على تاريخ المكان، ونستعيد عبرها ذاكرته وقيمه وموروثه الاجتماعي والثقافي.
وفي محافظة القرى بمنطقة الباحة، تأتي فعاليات مهرجان الأطاولة لتؤكد هذا المعنى، في مدينة تحمل بين جنباتها تاريخاً عريقاً، وتختزن شواهد وقصصاً وموروثاً يستحق أن يُروى للأجيال.
ولعل من أجمل ما يميز فعاليات هذا الصيف ذلك الحضور اللافت للجانب الثقافي والتراثي، ومنه الأمسية التي نظمها متحف ناصر الفيان بعنوان: «سوق ربوع قريش: ذاكرة المكان وروح الزمان»، وقدمها الدكتور عبدالرحمن محمد العبيدي، وأدارها الإعلامي الأستاذ خير الله سعيد زربان، بحضور عدد كبير من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالموروث الشعبي.
وسوق ربوع قريش بالأطاولة ليس مجرد سوق قديم؛ بل صفحة من صفحات التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، ارتبط بحياة الناس على مدى قرون، وشهد تفاصيل حياتهم وبيعهم وشراءهم ولقاءاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وظل شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ المكان والإنسان.
ومن هنا تبرز أهمية مثل هذه المهرجانات حين تجمع بين الترفيه والثقافة والتاريخ والسياحة، وتمنح الزائر فرصة للاستمتاع بجمال الباحة وأجوائها، وفي الوقت نفسه التعرف على عمقها الحضاري وموروث أهلها.
إن الأطاولة بما تمتلكه من موقع وتاريخ وأسواق قديمة وموروث شعبي، مؤهلة لأن تكون محطة سياحية وثقافية بارزة في منطقة الباحة، خصوصاً إذا استمرت الجهود في توثيق تاريخها، وإبراز معالمها، وتشجيع المتاحف والمبادرات الثقافية، والاستفادة من كبار السن والباحثين والمؤرخين في تسجيل الروايات والقصص والمعلومات قبل أن يطويها الزمن.
وما نشاهده اليوم من اهتمام بالموروث في مهرجان الأطاولة يستحق الإشادة، لأنه لا يحتفي بالماضي من أجل الماضي فقط، وإنما يجعل منه جسراً يصل الأجيال الجديدة بتاريخ آبائهم وأجدادهم، ويعزز الاعتزاز بالهوية المحلية بوصفها جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية السعودية.
فتحـية لكل من أسهم في إنجاح مهرجان الأطاولة وفعالياته الثقافية والتراثية، ولكل من يعمل على حفظ ذاكرة المكان، فالأوطان لا تُبنى بالحاضر وحده، وإنما بتاريخ نحفظه، وحاضر نصنعه، ومستقبل نخطط له.
ومضة:
حين نحفظ ذاكرة المكان، فإننا لا نوثق الماضي فحسب، بل نمنح الأجيال القادمة جذوراً تعرف من خلالها من أين بدأت وإلى أين تمضي.

