لم يكن توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية حدثًا عابرًا، بل جاء في توقيت بالغ الأهمية، تشهد فيه المنطقة والعالم تحولات أمنية متسارعة، وتحديات متزايدة تمس أمن الدول واستقرارها، في ظل التوترات الإقليمية الراهنة وما يحيط بالممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب، من مخاطر قد تؤثر في أمن الملاحة الدولية وسلاسل إمداد الطاقة والتجارة العالمية.
وفي هذا التوقيت، جاءت الاتفاقية لتعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على تعزيز الردع، وتطوير التنسيق، وترسيخ التكامل الدفاعي بين الدول الثلاث، في إطار شراكة دفاعية طويلة الأمد، بما يسهم في دعم أمن المنطقة واستقرارها، وهو ما أكده سمو وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز في تصريحه عقب توقيع الاتفاقية.
وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة؛ إذ تجمع ثلاث دول ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي، يبلغ مجموع سكانها نحو 380 مليون نسمة، فيما يتجاوز حجم اقتصاداتها 3.3 تريليون دولار، الأمر الذي يمنح هذا التعاون بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز الإطار العسكري، ليعزز الاستقرار الإقليمي ويحمي المصالح المشتركة.
كما أن مبدأ الدفاع المشترك والردع الجماعي الذي تقوم عليه الاتفاقية يبعث برسالة واضحة مفادها أن أمن الدول الثلاث مسؤولية مشتركة، وأن أي اعتداء على إحداها يُنظر إليه باعتباره تهديدًا للأمن الجماعي، وهو ما يعزز قدرة الردع، ويرفع مستوى الجاهزية والتنسيق في مواجهة مختلف التحديات.
ولم يكن اختيار مكة المكرمة لتوقيع الاتفاقية، وفي يوم الجمعة بعد الصلاة، مجرد إجراء بروتوكولي، بل يحمل دلالات رمزية عميقة، تؤكد أن المملكة تجمع بين مكانتها الروحية ووزنها السياسي، وأن رسالتها كانت ولا تزال قائمة على ترسيخ الأمن والاستقرار، وبناء الشراكات التي تحفظ مصالح الشعوب وتعزز السلام.
أما المملكة العربية السعودية، فقد أثبتت عبر تاريخها أنها دولة تصنع التوازنات بحكمة، وتبني مواقفها على رؤية استراتيجية ثابتة، لا تتغير بتغير الأحداث، وإنما تتطور أدواتها بما ينسجم مع المتغيرات ويحقق مصالحها الوطنية وأمن محيطها العربي والإسلامي. ولذلك، ظل حضورها مؤثرًا في مختلف القضايا الإقليمية والدولية، مستندة إلى قوة سياسية واقتصادية وعسكرية، وإلى قيادة تمتلك وضوح الرؤية وحسن تقدير المواقف.
إن اتفاقية مكة للدفاع المشترك ليست مجرد وثيقة تعاون عسكري، بل تمثل محطة مهمة في مسيرة العمل الاستراتيجي المشترك بين ثلاث دول محورية، ورسالة تؤكد أن الأمن يصنع بالتنسيق، وأن الردع يحفظ السلام، وأن المملكة العربية السعودية ستظل، كما كانت دائمًا، ركيزةً للاستقرار، وقوةً فاعلة في صناعة الأمن الإقليمي، بسياسة ثابتة، ورؤية بعيدة، وقيادة تدرك مصالح وطنها وأمتها.
اللواء الركن (م): سمير بن أحمد الزهراني

