كشفت الهيئة الملكية لمحافظة العلا أن المواقع الأثرية في المحافظة تحتضن سجلًا استثنائيًا لتطور طقوس الدفن والعمارة الجنائزية، يمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى حضارتي دادان والأنباط، ويضم مئات المدافن والمنشآت الجنائزية التي توثق التحولات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات القديمة في شمال غربي الجزيرة العربية.
وأوضحت الهيئة، ضمن سلسلة «من آثار العلا»، أن تنوع المنشآت الجنائزية يعكس تطور أساليب الدفن والمعتقدات المرتبطة بالموت والذاكرة والهوية، ويقدم للباحثين شواهد أثرية تسهم في فهم تاريخ الاستيطان والحياة الإنسانية في المنطقة عبر آلاف السنين.
وبيّنت الهيئة أن من أقدم هذه المنشآت المدافن الركامية، وهي مدافن دائرية أو بيضاوية شُيدت من ركامات حجرية تغطي غرف الدفن، إلى جانب المنيلات الحجرية التي تتكون من جزء رئيسي يضم المدفن، يتصل به امتداد حجري يشبه الذيل، في نمط معماري يميز فترات ما قبل التاريخ.
كما تضم العلا الطرق الجنائزية، وهي مسارات تحفها منشآت حجرية جنائزية تمتد بين مواقع الدفن، وتعد من أبرز الشواهد على حركة المجتمعات القديمة وتنظيمها للمشهد الطبيعي.
وفي موقع الحِجر، أول موقع سعودي مُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، يبرز أحد أكبر المشاهد الجنائزية في المملكة، إذ يضم أكثر من 220 مدفنًا، بينها أكثر من 140 مدفنًا منحوتًا في الكتل الصخرية، وأكثر من 80 مدفنًا بواجهات معمارية مزخرفة، تعكس المستوى المتقدم الذي بلغته العمارة النبطية.
وفي موقع دادان، تتصدر مدافن الأسود أبرز المعالم الأثرية، إذ نُحتت في واجهات جبل دادان، وتزين مداخلها منحوتات لأسود، في دلالة على مكانتها الرمزية، لتصبح واحدة من أشهر الشواهد الأثرية المرتبطة بتاريخ مملكة دادان.
وأكدت الهيئة أن دراسة هذه المنشآت تتجاوز توثيق مواقع الدفن، إذ تسهم في فهم أنماط الحياة والمعتقدات السائدة آنذاك، وتكشف جوانب تتعلق بالمكانة الاجتماعية، وحقوق الدفن، والروابط الأسرية، والحركة البشرية، والعلاقات الحضارية بين المجتمعات القديمة، إلى جانب تطور تقنيات نحت الحجر والعمارة الجنائزية.
وأشارت الهيئة إلى أن الباحثين يوظفون أحدث الأساليب العلمية في دراسة هذه المواقع، وتشمل المسح الأثري، والتنقيب، وتحليل البقايا البشرية، والتوثيق الرقمي، والدراسات المعمارية، وتحليل النقوش، وأعمال الحفظ والترميم، بما يسهم في توثيق الإرث الحضاري للعلا وصونه للأجيال المقبلة، انسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
