في قلب نجد الأصيل، حيث تتنفس الرمال عبق التاريخ، وحيث تخلد الذاكرة الجماعية حكايات الكرم والجود، تقف مدينة شقراء كجوهرة تتلألأ على جبين الوطن. هي ليست مجرد مدينة تخطها الخرائط، بل هي لوحة ترسمها الرياح بألوان الصحراء، ونبضٌ يتجدد كل عام ليحكي قصة فريدة من نوعها، قصة تمتزج فيها حرارة الأرض بجمال الإبداع، وعبق الماضي بزوغ المستقبل.
وإذ تتهادى نسمات الصيف اللافحة، وتصطفى الشمس في ذروة سمائها، يحين الموعد المنتظر، فيتسامع الناس من كل حدب وصوب، ليلبوا نداء “مهرجان فلفل شقراء” في نسخته السادسة، الذي يقام تحت الرعاية الكريمة من صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز – حفظه الله – أمير منطقة الرياض. إنه ليس احتفاءً بثمرة زراعية عابرة، بل هو احتفاءٌ بتراث وهوية، واحتفاء بإنسان الأرض الذي امتهن الزراعة حرفةً وشغفاً.
هنا، تتحول حبات الفلفل القرمزية الحارة من مجرد مادة غذائية إلى “ياقوتة نجدية” تنبض بالحياة، وتروي بنارها قصة كفاح المزارعين الذين استنبطوا من جفاف الصحراء معجزة الخضرة. يمتزج جمالها بطعم العافية، فتصبح لغة يتحدث بها أهل الوفاء، حاملين مشاعل العطاء ليرسموا لوحة من التكاتف الإنساني.
وما أروع أن تجمع هذه التظاهرة الثقافية والترفيهية شمل الأسر والعائلات، لتشكل حاضنة دافئة للمشاعر الاجتماعية. ففي زحام “سوق المزارعين”، حيث تتراصف خيرات الأرض كصفحات من كتاب مفتوح، لا يقتصر الأمر على البيع والشراء، بل يمتد ليكون مساحةً للتحادث، وتبادل الابتسامات، واستنشاق عبق الطبيعة المتنوعة. تجد الأمهات يتسامرن حول أواني الطبخ التقليدية، ويتبارين بإبهار الحضور بفنون الطهي الأصيلة التي تخلد ذاكرة المذاق، في محاولة لرد الجميل للأرض التي وهبتها كل هذا الكرم.
وإذا سلمت عيناك للجمال، ستقودك خطاك إلى “منطقة المطاعم والضيافة”، حيث تتنفس الروح تنوع النكهات، وترتشف الحواس مزيجاً من السعادة في “مقهى المذاق”، أو يتجلى الفن في “اللوحات الجدارية” التي تروي قصص الأجداد بخطوط معاصرة.
تتنوع الفعاليات في هذا المحفل السنوي لتشمل الروح والجسد معاً. فلمن يبحث عن أنس الروح، هناك “المنطقة التراثية” التي تبحر به عبر الزمن، ولمن ينشد النشاط والحماس، تنتظره “منطقة الألعاب والأنشطة”، مجسدة بذلك رسالة المهرجان القائمة على الدمج المدهش بين الأصالة والتجديد، وبين التنمية الاقتصادية والترفيه العائلي.
لكن، وبين عبق التاريخ والإنفاق الفني، يظل جوهر المهرجان هو تسليط الضوء على عطاء المزارعين، وفتح أسواق جديدة لمنتجاتهم، تماماً كما تفتح شقراء ذراعيها لاحتضان الجميع في هذا “الموسم الثقافي والزراعي”. إنه وعدٌ سنوي يقطع على نفسه إحياء القرى، وتجديد الأمل، وإذكاء روح المنافسة في العطاء، ليكون دليلاً عملياً على أن الاستثمار في الإنسان والأرض هو الاستثمار الذي لا ينضب.
وفي هذا الملتقى المبارك، تحتضن شقراء ضيوفها في موعد مرسوم، حيث يلتقي الحضور في مكان وزمان يتناغمان مع عبق التاريخ. سيكون هذا الملتقى، بإذن الله، على موعد مع إبداع جديد، وإدهاش يليق بكرامة هذا الوطن وشموخ أهله، ليؤكد للجميع أن معجزة شقراء ليست في حبات الفلفل فقط، بل في قلوب أهلها الذين أصرّوا على أن تظل هذه الأرض، حتى في قيظ الصيف، واحةً للجمال والعطاء.
فإلى موعدنا في “شقراء”، حيث تزهر الأرض، وتتقد الأرواح بنور الفرح، وتجتمع العائلة تحت راية واحدة: راية الحب لهذا الوطن الطيب.
كل عام وشقراء ومهرجانها بألف خير.
