في رحابِ الضيافةِ التي تَفيضُ كَفيضِ عُيونِ الأحساءِ، وتَحِنُّ كحَنينِ النخيلِ لِلقَطرِ، كانَ الميعادُ مع الصديقِ المُستشارِ “علي التمار”، @alialltmar ذاكَ الذي يَحمِلُ في اسمِه عِطرَ البِرِّ، وفي فِعالِه ملامحَ الأُلفةِ. دخلتُ إلى مركزِ “أنيس” للإرشادِ الأسريِّ، فإذا بِه قِبلةُ النُّورِ، ومَنارةُ التَّواصُلِ، يَصنعُ من الحروفِ جسورًا، ومن القلوبِ أوطانًا.
ثمَّ انطَلَقنا في جَولةٍ كأنَّها رحلةُ شَوقٍ إلى عُمقِ التَّاريخِ: زُرنا أقدَمَ مسجدٍ أُقيمَت فيه صَلاةُ الجُمعةِ في الإسلام، فبَكى في صَمتي، وهَتفَ في رُوحي كلُّ ما هو قُدسيٌّ وأبَديٌّ. وتسلَّقنا جبلَ القارةِ، ذلكَ السِّرَّ الجيولوجيَّ الذي تَخبَّأَت فيه قَصائدُ العُصُورِ، وتَنَزَّهنا في منتزَه “جُوثَة” حيثُ يُغازِلُ النَّسيمُ غُصْنَ النَّخلةِ كعاشقٍ يَهيمُ.
مَرَرنا بِقُرىً عاتِقَةٍ، ومَزارعَ تَرفُلُ في حُلَلِ الخُضرةِ، والأرضُ تَروي لِلسَّماءِ حِكايةَ الجُودِ. وفي المساءِ، أصرَّ الصديقُ على ضيافتي في بَيتِه العامرِ، ذاكَ البيتِ الذي تَتنفَّسُ جُدرانُه الأصالةَ، وتَضحكُ أرجاؤُه حَنانًا.
كان في استقبالِنا ابنُه “طاهر”، ذلكَ الغُصنُ النَّضرُ الذي يُبشِّرُ بِنَخلةٍ طيِّبةِ الأعراقِ، وصِغارُه كأقمارٍ حَواليَه، يُضيئونَ المَكانَ دونَ شُموعٍ. ثمَّ تَهادَت إلينا المائدةُ: مَنديٌّ حَسَاويٌّ يَفوحُ كأنَّه أرَجهُ العُيونِ الجاريةِ، وكُليجةٌ تَذوبُ في الفَمِ كأنَّها قُبلةُ النَّخيلِ للشَّمسِ.
تناوَلنا العَشاءَ من صُنعِ البَيتِ، مِن يَدٍ لَها طعمُ الجدَّاتِ، وروحُ الضيافةِ. وجلَسنا نَتغَزَّلُ بالأحساءِ، نَشربُ مِن قهوَتِها كأَنَّها شِعرٌ مُعتَقٌ، ونَأكُلُ مِن طَعامِها كأنَّنا نَتَذوَّقُ فصولَ الجنَّةِ.
في تلكَ اللَّيْلةِ، لم أكُن ضيفًا، بل ابنًا عائدًا إلى بَيتِ أجدادِه. لم أشعُرْ بِغُربةٍ ولا وَحشةٍ، بل بِدِفءِ العائلةِ، وطيبِ العَشيرةِ. أخلاقُهم كانت كالبَشائِرِ، وكَرَمُهم كالسَّحابِ، وابتساماتُ الصغارِ كأزهارِ الرَّبيعِ في صحراءِ العُمرِ.
فشُكرًا يا آلَ “التمار” على هذهِ اللَّيلةِ التي كُتبَت في سِفرِ ذاكرتي بماءِ الذَّهبِ، وحُفرَت في لَوحةِ رُوحي كأجملِ القَصائدِ. شُكرًا لِلمَندى الحَساويِّ،ولِلضَّوءِ الذي انبَثَقَ مِن أعيُنِ أطفالِكم حينَ ودَّعوني كأنَّهم يَودِّعونَ قمرًا سارَ في كَبِدِ السَّماءِ.
يا أحساءُ، لقد جَعَلْتِني أُؤمِنُ أنَّ الكَرَمَ ليسَ مَكانًا، بل رُوحًا تُقيمُ في قُلوبِ أبنائِكِ، وأنَّ الضيافةَ ليست طعامًا، بل نَبضًا يَصدُرُ عن قُلوبٍ تُحسنُ الوُدَّ، وتُتقِنُ فُنونَ البَقاءِ في الذاكرةِ مِلْءَ الدَّهرِ.
هذهِ الأحساءُ… ليست مدينةً زرتُها، بل عائلةً احتَضَنَتْني. وهذا “علي التمار” ليس صديقًا، بل شقيقًا آخرَ وهَبني لَحظةَ عُمرٍ لا تُباعُ ولا تُشرى.
المستشار في التنميةً البشرية والاسرية
احمد محمد السعدي

