من يترك ما أمر به الله سعيًا وراء متاع الدنيا ظانًّا أن السعادة تُنال بمخالفة المنهج الإلهي فلن يحصد في النهاية إلا الذلّ والفراغ فالدنيا مهما ازدانت وتزيّنت تبقى زائلة لا تثبت على حال ولا تمنح من تعلّق بها الطمأنينة التي يرجوها وقد أثبتت تجارب الناس أن من جعل الدنيا غايته خسر نفسه قبل أن يخسر آخرته
إن أوامر الله تعالى لم تُشرّع لتقييد الإنسان أو حرمانه من متع الحياة بل جاءت لصيانة كرامته وحفظ قلبه وتنظيم سعيه في هذه الدنيا بما يضمن له العزّ والطمأنينة وحين يترك العبد الصلاة أو الأمانة أو الصدق أو الحلال من أجل مال أو منصب أو شهوة عابرة فإنه في الحقيقة يبيع كرامته بثمن بخس ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير
والدنيا لا تعطي من يعصي الله لأجلها إلا تعبًا فوق تعب فمن طلب الغنى بالحرام عاش فقير القلب ومن سعى وراء الشهرة بمعصية عاش أسير نظرة الناس ومن ضحّى بمبادئه لأجل منصب عاش خائفًا من زواله وهكذا تصبح الدنيا معبودًا قاسيًا لا يرحم من خضع له ولا يفي لمن خالف أمر الله في سبيله
أما الذلّ الحقيقي فهو في البعد عن الله وفي مخالفة أوامره لأن العزّ كل العزّ في طاعته قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ فالعزّ لا يُشترى بالمال ولا يُنتزع بالقوة بل يُمنح لمن أطاع الله وثبت على أمره ولو خسر شيئًا من متاع الدنيا
وفي المقابل من تمسّك بأمر الله وقدّم رضاه على مافي النفس وزخارف الحياة رفعه الله في الدنيا قبل الآخرة ومنحه هيبة في القلوب وراحة في الضمير وإن قلّ ما في يده فكم من فقيرٍ عزيز بطاعته وكم من غنيٍّ ذليل بمعصيته
وخلاصة القول
إن ترك أمر الله طلبًا للدنيا طريقٌ مختصر إلى المذلّة وإن بدا في أوله نجاحًا أو مكسبًا أما طاعة الله فهي الطريق وإن طال لكنها الطريق الذي ينتهي بالعزّ والسكينة والفلاح في الدنيا والآخرة.
