حين يُذكر الأب، تُستحضر في القلب مشاعر لا توصف، ومواقف لا تُنسى، وملامح باقية لا يمحوها الزمن. أبي، رحمه الله، لم يكن مجرد والد، بل كان مدرسة، وملاذًا، ومصدر قوة لا ينضب.
أخذتُ من أبي الحلم ، فقد كان هادئ النفس، واسع الصدر، يُقابل الخطأ بالحكمة، ويُعالج القسوة باللين. تعلمت منه أن الانفعال لا يبني، وأن الاتزان هو ما يترك الأثر العميق.
أخذتُ من أبي الصبر ، فقد واجه الحياة بصمت الكبار، لم يكن يشكو، ولم يُظهر وجعه، بل كان يواجه كل ظرف بابتسامة صامته، كأنها تقول: “كل شيء سيمضي بإذن الله”.
أخذتُ من أبي الكرامة ، لم يكن يرضى بالذل، ولا يقبل بالتنازل عن قيمه مهما كانت المغريات. علّمني أن العزة ليست في المال، بل في المبدأ، وأن الإنسان يُقاس بثباته على ما يؤمن به.
أخذتُ من أبي احترام الآخرين ، صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم. لم أره يومًا يعلو على أحد، أو يتعالى بكلمة، بل كان دومًا متواضعًا، يحترم الجميع ويُحبّهم بإخلاص.
أخذتُ من أبي الإيمان ، كان يُصلّي في وقتها، يقرأ القرآن كل فجر، ويذكر الله في كل حين. علّمني أن القرب من الله هو الحصن الحقيقي، وأن الدعاء سر من أسرار الطمأنينة.
أخذتُ من أبي حب الوطن ، والغيرة على مجتمعه، والحرص على خدمة الناس. كان يُشارك في إصلاح ذات البين، وفي إعانة المحتاج، وكان بيته مفتوحًا للجميع.
أخذتُ من أبي المسؤولية ، فقد كان لا ينام حتى يطمئن علينا جميعًا، يسأل عن تفاصيلنا، ويفتخر بنا، ويخشى علينا من أذى الحياة.
كل ما أنا عليه من خلق وتربية ومواقف، هو امتداد لما كان عليه أبي – رحمه الله –. لم يُورثني مالًا كثيرًا، لكنه أورثني ما هو أعظم: القدوة ، الخلق ، و الصدق .
رحمك الله يا أبي، وجعل ما قدمته لنا شفيعًا لك في قبرك، ورفعك به درجات في الجنة.
لن أنساك، فأنت تسكن قلبي، وتعيش في كل تفاصيل حياتي.
