في جنوب المملكة العربية السعودية ، حيث تتهادى الشمس بين قمم السروات وتنساب على رمال الربع الخالي، تقف نجران كواحة للتعايش، ولوحة فسيفسائية رسمتها الأقدار بتوافق عجيب بين المذاهب والقبائل والطبيعة. إنها ليست مجرد أرض، بل روحٌ وطنيةٌ متجسدة، تثبت أن الاختلاف ليس انقساماً، بل إثراءٌ يزيد الوطن قوةً إلى قوته.
في نجران، تتعانق الزيدية مع الإسماعيلية وأهل السنة والجماعة تحت سقف الوطن الواحد. لا تناقض هنا، بل تعددٌ يضيء ولا يُحرق، كألوان الطيف حين تلتقي في شعاع الشمس. الأذان واحد، والقبلة واحدة، والهوية واحدة، والولاء لوطنٍ واحدٍ يجمع ولا يفرق. التاريخ هنا لا يُقرأ كسجل صراعات، بل كقصيدة تعايش، حيث تذوب الفوارق في بوتقة المواطنة الصادقة
يمتد عمق نجران إلى جذور قبائلها العريقة: يام، وقبائل وائلة وقبائل بالحارث بن كعب وغيرهم، كلٌ يحمل راية مجده، لكن الجميع تحت راية الوطن. هنا، لا يُفتخر بالانتماء القبلي على حساب الانتماء الوطني، بل يصبح الاثنان كجناحي طائرٍ يحلق في سماء الوطن في أفراحهم، تختلط الأهازيج، وفي مواسم الخير، تتشارك الموائد، وكأن الأرض تقول: هذا التنوع هو سر قوتي
من وادي نجران المخضرّ كجنةٍ نزلت إلى الأرض، إلى جبل رعوم الشامخ كحُماة الوطن، وصولاً إلى صحاري الربع الخالي الممتدة كسجادة من الذهب، تُجسّد نجران تنوعاً جغرافياً يوازي تنوعها الإنساني. الجبال تشهد على صمود أهلها، والوادي يروي حكايات كرمهم، والصحراء تعلمهم سعة الصدر. هذه الطبيعة ليست مشهداً خارجياً، بل مرآةٌ تعكس روح المكان والإنسان
إذا كانت الوطنية هي الحب الذي لا يشترط، فإن نجران هي التعبير الأصدق عن هذا الحب. هنا، حيث يتسع الإسلام لمذاهبه، ويتسع الوطن لقبائله، وتتسع الأرض لتنوعها، نجد نموذجاً نادراً لوطنيةٍ لا تحتاج إلى ضجيج. وطنيةٌ هادئة كنسيم الوادي، صلبة كالجبال، نقية كرمال الصحراء.
في نجران، نتعلم أن الوطن ليس مجرد حدود، بل قيمٌ تتجسد، وقلوبٌ تتناغم، وأرواحٌ تتعانق. فتحيةً لأرضٍ تذكرنا دوماً أن الاختلاف ليس عيباً، بل هو الجمال الذي يصنع العظمة.
