من نافذتي في الطابق الثلاثين، حيث يمتد بصري بلا عائق إلى المسجد الحرام، أرى مشهداً يفيض بالروحانية والجلال. مئات الألوف بل الملايين من الزوار والمعتمرين يتدفقون نحو الحرم، كأمواج هادئة تتحرك في تناغم بديع، يملؤها الشوق والرهبة.
في كل لحظة، أشهد لوحة حية من البشر من جنسيات مختلفة، كلٌّ يحمل قصته، حلمه، ودعاء ومسألته. وجوه مشرقة بالإيمان والأمل، وقلوب متلهفة للطواف حول الكعبة المشرفة. بالرغم من الأعداد الهائلة، تسير الحشود في سلاسة مدهشة، وكأن يداً خفية ترسم مسارهم بانسيابية تثير الإعجاب. كم هو مشهد يبعث على الاعتزاز والفخر. فهذا التنظيم الدقيق والرائع، وهذه العناية التي تجعل ملايين الزوار او الحشود يتحركون بلا فوضى وبلا مشاكل ، هي شهادة حية على العظمة والإبداع السعودي في إدارة هذا المكان المقدس. فرجال الأمن، والعاملون والمتطوعون في خدمة المعتمرين، كلهم في مواقعهم، يعملون بصمت وبتفاني وإتقان، يسابقون الزمن لضمان جودة الخدمة و راحة الزوار، فتشعر وكأنك في عالم آخر، عالم لا يعرف إلا الأمن الطمأنينة والخشوع بفضل الله ثم إهتمام ورعاية القيادة السعودية الرشيدة بالحرمين الشريفين. وأنا أراقب هذا المشهد اليومي من علو، يزداد يقيني بأن مكة ليست مجرد مدينة مقدسة ، بل هي بالفعل قلب ينبض بالإيمان، ومصدر إلهام لكل من تطأ قدمه أرضها الطاهرة. هنا، حيث تلتقي الأمم، وتتوحد القلوب، تتجسد أعظم صور التلاحم الإيماني و الإنساني والاجتماعي في مشهد لا يمكن أن يُنسى.
ما أجملكِ يا مكة، وما أعظم المسجد الحرام ، وما أروع أن يكون لي شرف رؤية هذا الجمال الخلاب كل يوم بدون ملل. أسأل الله العلي القدير أن يتقبل من جميع الزوار والمعتمرين صلواتهم وقيامهم وطاعاتهم.

