عندما تبدأ الإجازة، لماذا يفكر كثير من الناس في السفر إلى الخارج؟
قد تبدو الإجابة بسيطة: تغيير الجو، السياحة، التسوق أو الاستمتاع. لكن لو كان الأمر متعلقًا بالراحة وحدها، لكان البقاء في المنزل أكثر راحة وأقل تكلفة وجهدًا.
ولو كان السفر بحثًا عن المكان الأجمل فقط، لما رأينا سكان أكثر دول العالم تنوعًا يسافرون بدورهم بحثًا عن وجهات أخرى.
إذن، ربما لا يكون السؤال: لماذا نسافر؟
بل: لماذا نحتاج أحيانًا إلى مكان بعيد عندما نريد أن نشعر بأننا في إجازة فعلًا؟
وهنا لا أتحدث عن مجتمع بعينه، ولا أقارن بين السياحة الداخلية والخارجية. فالرغبة في السفر إلى مكان مختلف لا ترتبط بالضرورة بفقر البيئة التي يعيش فيها الإنسان سياحيًا.
قد نجد سائحًا صينيًا يقضي إجازته في فرنسا، وفرنسيًا يسافر إلى الصين، رغم ما يملكه البلدان من تنوع سياحي وثقافي هائل.
فالمسافر لا يبحث دائمًا عن مكان أجمل من وطنه.
أحيانًا يبحث ببساطة عن مكان لا يشبه ما اعتاده.
حين يصبح المألوف أقل إثارة
الإنسان ابن بيئته، لكنه أيضًا سريع الاعتياد عليها.
فالأماكن التي كانت تلفت انتباهه تصبح بعد سنوات جزءًا من المشهد اليومي؛ الشوارع نفسها، الوجوه نفسها، الطرق والمقاهي والأحياء ذاتها.
لا يعني ذلك أنها فقدت جمالها، وإنما أن الإنسان اعتاد وجودها.
ولهذا يحمل المكان الجديد جاذبية مختلفة. حين نصل إلى مدينة للمرة الأولى، نستعيد فضولًا يكاد يختفي في حياتنا اليومية. ننظر إلى المباني، ونراقب الناس، ونجرب الطعام، ونلتفت إلى تفاصيل قد لا نلتفت إلى مثيلاتها في مدينتنا.
وكأن السفر لا يغير المكان حولنا فقط، بل يعيد قدرتنا على ملاحظة المكان.
المسافة الجغرافية قد تصبح مسافة نفسية
هناك سبب آخر قد يجعل السفر إلى الخارج مختلفًا نفسيًا: البعد.
فالإنسان لا يعيش داخل مكان فقط، بل يعيش داخل شبكة من الالتزامات والأدوار.
في حياته اليومية هو موظف أو مسؤول أو أب أو أم أو ابن أو ابنة. هناك أشخاص يعرفونه، ومهام تنتظره، والتزامات عملية وأسرية واجتماعية تحيط به.
وحين يبتعد آلاف الكيلومترات، لا تختفي حياته، لكنه يحصل على مسافة مؤقتة منها.
وقد يتوقف الإنسان عن العمل خلال إجازته، لكنه إذا بقي داخل محيطه المعتاد فقد تبقى بعض الأدوار والمطالب قريبة منه.
أما في مدينة لا يعرفه فيها أحد، فيستطيع لبعض الوقت أن يتخلى عن كثير من صفاته اليومية، وأن يكون ببساطة:
مسافرًا.
وربما لهذا لا نحتاج أحيانًا إلى إجازة من العمل فقط، بل إلى إجازة قصيرة من الأدوار التي نؤديها كل يوم.
السفر… مغامرة آمنة
كثير منا يرغب في المغامرة، لكن القليل يريد المخاطرة الحقيقية.
والسفر يقدم مساحة وسطى جذابة: مغامرة محسوبة.
مدينة لا نعرفها، لغة ربما لا نتقنها، قطار نستخدمه للمرة الأولى، طعام جديد، طريق نضل فيه، مكان نكتشفه بالصدفة، وأشخاص لم نلتق بهم من قبل.
كل ذلك يمنحنا شعورًا بالخروج عن المألوف، ولكن داخل إطار آمن نسبيًا: لدينا حجز فندق، وتذكرة عودة، وهاتف وخرائط وخطة سفر.
فنحصل على قدر من عدم اليقين يكفي لإثارة الفضول، دون أن نتخلى تمامًا عن الأمان.
أن نعيش حياة الآخرين… ولو لأيام
هناك فرق بين أن نقرأ عن مجتمع آخر وبين أن نستيقظ صباحًا داخله.
جزء من متعة السفر لا يأتي من مشاهدة المعالم السياحية وحدها، وإنما من تجربة تفاصيل الحياة التي يعيشها الآخرون: الجلوس في مقاهيهم، استخدام وسائل نقلهم، المشي في أسواقهم، سماع لغتهم من حولنا، وتجربة إيقاع يوم مختلف عن إيقاع يومنا.
لأيام قليلة يستطيع الإنسان أن يختبر حياة ليست حياته المعتادة.
وقد لا يبحث المسافر عن ثقافة أخرى لأنه يرفض ثقافته، وإنما لأن الفضول الإنساني يدفعه إلى السؤال:
كيف تبدو الحياة لو عشتها في مكان آخر؟
نحن نسافر أيضًا لنعود بقصة
وربما يكون هذا أحد أقل دوافع السفر وضوحًا.
الإنسان يحب القصص، ولا يحب سماعها فقط؛ بل يحب أن يمتلك قصصه الخاصة.
الحياة اليومية بطبيعتها متكررة. نستيقظ، نعمل، ننجز التزاماتنا، نعود إلى منازلنا، ثم تبدأ دورة أخرى قد تشبه سابقتها.
أما السفر فيكسر هذا التسلسل، ولذلك ينتج أحداثًا قابلة للرواية.
«ضللنا الطريق»، «اكتشفنا مطعمًا بالصدفة»، «حدث لنا موقف في المطار»، «قابلنا شخصًا غريبًا»، «وصلنا إلى مكان لم يكن في الخطة».
وقد تبدو بعض هذه الأحداث بسيطة جدًا، لكنها بعد العودة تتحول إلى قصة.
وفي الرحلة يصبح الإنسان، بصورة ما، بطل حكايته الصغيرة؛ هو من اختار الوجهة، وغادر، واكتشف، وجرب، وواجه المواقف، ثم عاد ليروي ما حدث.
وربما نحن لا نسافر دائمًا لأننا نريد رؤية شيء جديد فقط.
أحيانًا نسافر لأننا نريد أن يحدث لنا شيء جديد.
المكان يصنع ذاكرة لها عنوان
هناك أسابيع وأشهر تمر من حياتنا، ثم يصعب علينا بعد سنوات أن نتذكر تفاصيلها؛ لأنها تشابهت مع ما قبلها وما بعدها.
لكن الرحلات مختلفة.
نتذكر المدينة، والفندق، والشارع، والرائحة، والموقف، والطعام، والأشخاص الذين كانوا معنا، وأحيانًا حتى الملابس التي كنا نرتديها في صورة معينة.
المكان المختلف يمنح الذكرى علامة واضحة في الزمن.
فنحن لا نقول فقط: «حدث ذلك قبل ثلاث سنوات»، وإنما نقول: «حدث ذلك في رحلتنا إلى…».
وهكذا تصبح المدينة جزءًا من طريقة أرشفة ذاكرتنا.
ولذلك قد تكون الرغبة في السفر مرتبطة أيضًا برغبتنا في صناعة ذكريات تستطيع مقاومة تشابه الأيام.
ثم جاء البلوجر
لم تصنع وسائل التواصل الاجتماعي رغبة الإنسان في السفر، فالبشر يسافرون منذ زمن بعيد، لكنها غيّرت الطريقة التي نختار بها وجهاتنا ونتخيل بها الرحلة قبل أن تبدأ.
فالبلوجر اليوم لا يعرض مدينة فقط، بل يقدمها وفق ذوق ونمط حياة.
هذه الوجهة لمحبي الهدوء، وتلك للفخامة، وهذه للمغامرات، وأخرى للطعام أو التسوق أو الطبيعة أو التصوير.
وهكذا لم يعد المسافر يرى اسم بلد على الخريطة؛ بل أصبح قادرًا على مشاهدة نسخة متخيلة من نفسه داخله قبل أن يحجز تذكرته.
يشاهد شخصًا يشرب قهوته أمام بحيرة، أو يمشي في شارع قديم، أو يستيقظ على إطلالة معينة، فيبدأ في تخيل نفسه داخل المشهد.
وبذلك أصبحت الوجهات لا تتنافس على الأماكن فقط، بل على المشاعر والتجارب والصور والذكريات التي تعد المسافر بها.
وفي السفر نتصرف أحيانًا بطريقة لا نفعلها في مدننا
من المفارقات أن الإنسان قد يسافر آلاف الكيلومترات ليفعل أشياء يستطيع فعل بعضها بالقرب من منزله.
قد يمشي ست ساعات في مدينة أجنبية بينما نادرًا ما يمشي ساعة في مدينته، ويستيقظ مبكرًا لمشاهدة شروق الشمس، ويزور المتاحف والأسواق القديمة، ويتحدث مع الغرباء، ويجرب طعامًا لا يعرفه، ويستكشف الشوارع بلا هدف.
ربما لأن السفر يمنحه إذنًا مؤقتًا بأن يكسر عاداته.
فهو لا يقول لنفسه: «هذا ليس من طبعي».
بل يقول:
«أنا مسافر».
وهذه العبارة وحدها تسمح له بأن يعيش أيامه بطريقة مختلفة.
لسنا دائمًا نبحث عن الأفضل
لذلك فإن سفر الإنسان إلى بلد آخر لا يعني بالضرورة أن وطنه أقل جمالًا، كما أن بقاءه في بلده لا يعني أنه أقل فضولًا.
فالصيني الذي يسافر إلى فرنسا، والفرنسي الذي يسافر إلى الصين، والسائح الذي يعبر نصف العالم رغم أنه قادم من بلد يملك الطبيعة والتاريخ والمدن والثقافة، يكشفون شيئًا بسيطًا في الإنسان:
المختلف يمتلك جاذبية لا يملكها المألوف دائمًا.
أحيانًا نحن لا نبحث عن مكان أفضل.
نبحث عن المسافة، والجِدّة، والمغامرة، والقصة، والذكرى، وتجربة مؤقتة لحياة مختلفة.
وربما لهذا نعود من السفر مرهقين جسديًا، ومع ذلك نصف الرحلة بأنها كانت راحة.
لأن ما أخذ إجازة لم يكن الجسد وحده.
أخذت عاداتنا وأدوارنا وتفاصيل حياتنا اليومية إجازة أيضًا.
وربما لهذا، بين حين وآخر، نحتاج إلى مكان لا يعرفنا.
