يقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ — آية كريمة تحمل في جوهرها توجيهاً صحياً سبق العلم الحديث بقرون: الإباحة في الطيبات، والتحذير من الإفراط فيها. وهذا تماماً ما تؤكده الدراسات العلمية الحديثة حول العصائر وأثرها على صحة أسنان الأطفال.
أكدت جمعية ابتسم لخدمات طب الأسنان التطوعية بمنطقة مكة المكرمة، استناداً إلى التوصيات العلمية الصادرة عن الأكاديمية الأمريكية لطب أسنان الأطفال، أن الإفراط في تناول العصائر، بما فيها العصائر الطبيعية 100%، يشكل خطراً كبيراً على صحة أسنان الأطفال، رغم ما تحتويه من فوائد غذائية وفيتامينات.
وأوضح استشاري طب الأسنان ورئيس مجلس إدارة جمعية ابتسم بمنطقة مكة الدكتور أيمن بن محمد نوح، أن كثيراً من الأسر تعتقد أن العصائر الطبيعية آمنة تماماً على صحة الفم والأسنان، إلا أن الدراسات العلمية تؤكد احتواءها على سكريات حرة تنشط البكتيريا المسببة للتسوس، إلى جانب أحماض طبيعية تؤدي مع مرور الوقت إلى إضعاف مينا الأسنان وتآكلها كيميائياً.
وأشار الدكتور نوح إلى مشكلة إضافية تفاقم الخطر، وهي أن معظم ما يُطرح في الأسواق تحت مسمى “عصير” ليس عصيراً طبيعياً حقيقياً، بل خليطاً من الماء والسكريات المضافة والنكهات الصناعية وألوان الطعام، مع نسبة قليلة جداً أو معدومة من الفاكهة الفعلية. وأوضح أن هذه المنتجات تكون عادة أشد ضراراً من العصير الطبيعي نفسه، لأنها تجمع بين السكريات المركّزة وغياب أي قيمة غذائية تعوّض الضرر، داعياً الأسر إلى قراءة الملصق الغذائي بعناية والتأكد من نسبة الفاكهة الحقيقية قبل الشراء.
وأشار إلى أن بقايا العصائر والسوائل السكرية تبقى حول الأسنان لفترات كافية لتغذية البكتيريا، التي تنتج بدورها أحماضاً تهاجم الطبقة الخارجية للأسنان، لافتاً إلى أن الفواكه المستخدمة في صناعة العصائر الطبيعية، مثل البرتقال والليمون والتفاح والتوت، تحتوي على أحماض تؤثر بشكل مباشر في قوة المينا، خصوصاً لدى الأطفال.
وبيّن الدكتور نوح أن التحذيرات ترتبط بعدد من المخاطر، أبرزها ارتفاع احتمالية الإصابة بتسوس الأسنان، وتآكل المينا، وظهور التسوس المبكر الحاد لدى الأطفال، خاصة عند تناول العصائر بصورة متكررة طوال اليوم، أو تقديمها في زجاجات الرضاعة لفترات طويلة، أو قبل النوم مباشرة، مما يؤدي أيضاً إلى زيادة حساسية الأسنان نتيجة ضعف الطبقة الحمائية الخارجية.
وأكد أن العصائر يمكن أن تكون جزءاً من النظام الغذائي الصحي، إلا أن الاستفادة منها يجب أن تترافق مع ممارسات صحية سليمة، مشدداً على أهمية تقليل عدد مرات شرب العصير، وتشجيع الأطفال على شرب الماء، وتقديم العصائر مع الوجبات الرئيسية بدلاً من تناولها كوجبات خفيفة منفردة، مع الحرص على المضمضة بالماء لحماية المينا من الحت.
وأضاف أن الفاكهة الكاملة تعد خياراً أفضل بكثير من العصائر من الناحية الصحية وصحة الأسنان؛ لأنها توفر العناصر الغذائية والألياف التي تحفز إفراز اللعاب، مع تأثير أقل ضرراً على الأسطح السنية.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن العصائر ليست عدواً لصحة الأطفال، وأن قوله تعالى ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ هو خير معيار للتعامل معها، داعياً الأسر إلى تعزيز الوعي بالعادات الغذائية السليمة، وانتقاء العصائر الطبيعية الحقيقية بدل المنتجات المُحلّاة صناعياً، لحماية ابتسامة الأطفال وصحة أسنانهم.
