عند اللحظة التي سمعتُ فيها النبأ لم أستوعب الخبر ولم ألملم الكلمات وكأنها قيلت بلغةٍ لا أعرفها أو كأن الزمن توقّف ليمنحني فرصةً أخيرة للإنكار ارتجف قلبي قبل يدي وشعرتُ بأن الأرض التي طالما وقفتُ عليها بثباتٍ بدأت تميد بي لم تكن صدمةً عابرة وفاة أبي بل كانت انكساراً صامتاً وعميقاً لا يُرى لكنه يزلزل الروح .
في تلك الدقيقة مرّت كل الذكريات على شريط سنوات عمري دفعةً واحدة صوته ضحكته صوره دعواته التي كانت تسبقني وحنانه الذي كان يحيطني دون أن أشعر ولا غرابة فقد أدركتُ حينها أن فقد الأب ليس بمجرد فقد شخص وإنما هو فقد الأمان وفقد السند بل هو فقد الطمأنينة التي لا نعرف أنها لن تعود وإني لأعلم علم اليقين بأنه لايجيب لكني متأكدة بأنه يسمع.
رغما عني سأحاول أتمالك نفسي لكي أبدو قوية أمام أُمي وصابرة أمام أخواتي وعادية عند عند رفيق دربي محتسبة أمام الناس كما كان يحب عفواً وإن كانت تلك القوة المصطنعة في تلك اللحظة ماهي إلا مجرد قناعٍ هش يخفي خلفه قلباً يتشقق من الحزن ودموعا ملونة كافية لتُعبّر فقط علما وإني أرى بأن الكلمات في أسطري هذه لم تكن قادرة على احتواء حجم الفقد كل الفقد فكيف حينما يفقد الإنسان أباه فالأب ليس شخصا عادياً وإنما هو الدرع الذي كان يقيني من قسوة الحياة والصوت الذي يحميني من العثرات وأكثر من ذلك اليد القوية التي تمتد إليّ كلما ضافت بي أقدار الزمان وذكريات المكان .
فمنذ تلك الساعة ومنذ ذلك الخبر تغيّر كل شيئ عندي فأصبح في خيالي للوقت طعمٌ مختلف وصار للحياة لون باهت .
كل الأيام تمر لكنها ليست كما كانت
وكل شيئ يتغير لكنه ليس كما أريد
وكل فرح بعدك أراه سيكون ناقصا.
ومع ذلك كله سيبقي في داخلي يقينٌ واحد أن أبي لم يرحل ولن يرحل من قلبي سأناديه سراً وأحدثه صمتاً وأراه سكوناً وسيظل أثره حيًا في دعائي في تصرفاتي وفي كل تفاصيل حياتي التي علّمني كيف أعيشها كما علمتني الأيام أيضاً أن الحياة مليئة بالتحولات بعيدة عن كل التوقعات زاخرة بمثل تلك المفاجآت
!
بقي أن أقول : رحم الله ذلك الأب وصبراً لك أيها القلب صبراً يليق بذلك الفقد الذي يختصر عمرا كاملاً من الذكريات ولن أزيد عن قول إلا ما يرضي ربنا وإنا لله وإنا إلي راجعون !
