في أمسية ثقافية نادرة، حيث تتحدّث الحجارة والطين والتاريخ، استضافت ديوانية الأديب حمود المزيني في محافظة المجمعة حواراً فكرياً راقياً تحت عنوان “الثقافة في عصر الخوارزميات”. وكأن المكان اختار بعناية ليضم هذه المحاضرة الفريدة، فالمزرعة التي احتضنت الأمسية تتنفس عبق التراث، وتشهد على جمال العمل اليدوي المحبوك بتأنّق، وروعة الحفاظ على الموروث في زمن السرعة والرقمنة. لقد كان هذا الديوان الشامخ، بعراقة صاحبه وأصالته، خير خيمة للفكر، وخير حاضن لسؤالٍ مصيري: أين مكان العقل البشري في عصر تحكم فيه الخوارزميات بتفاصيل حياتنا؟
بهدوء العالم وثقة المفكّر، قدم الأستاذ عبدالله الحسني – مدير الشؤون الثقافية بجريدة الرياض – محاضرته الاستشرافية. لم يكن حديثه مجرد سرد أكاديمي جاف، بل كان رحلة فكرية تسائل الماضي وتستشرف المستقبل. تميّز أسلوبه بالسلاسة المعرفية النادرة، حيث نسج بخيوط الثقافة الواسعة بين الفلسفة والتقنية، بين الأدب والذكاء الاصطناعي. لقد حمل في كلماته رسالة واضحة: “الخوارزميات أداة، وليست سيداً”. وحذّر من الاستسلام للسهولة الرقمية التي قد تضعف العضلات الفكرية للإنسان.
بتوازن القائد الحكيم وقدرة المنسّق البارع، أدار الأستاذ عوضه الزهراني – الكاتب بجريدة الرياض – الجلسة ببراعة لافتة. لم يسمح للحوار أن يخرج عن مساره الفكري، ولم يترك فكرةً عميقةً تمر دون تعميق، ولا تساؤلاً دون إضاءة. كانت إدارته مثالاً على كيف يمكن أن يكون المنسق جزءاً أصيلاً من البناء الفكري، لا مجرد مشرف على الوقت.
ما أضفى على الأمسية روعةً خاصةً هي تلك المداخلات الثرية من الحضور، التي تحوّلت معها المحاضرة إلى منصة حوار جماعي. كانت المداخلات امتداداً طبيعياً للمحاضرة، تارةً تسائل، وتارةً تتعمق، وتارةً تفتح أفاقاً جديدة. ناقش الحضور إشكالية الهوية الثقافية في الفضاء الرقمي، ودور الأدب والفن في مواجهة “التبلد الخوارزمي”، وكيفية توظيف التقنية دون ذوبان في بحرها. لقد حوّلوا القاعة إلى مختبر أفكار حي، يثبت أن العقل الجمعي ما زال أقوى من أي خوارزمية مهما بلغت ذكاءها.
خلاصة ما خرجت به هذه المحاضرة الثقافية العميقة هو تحذيرٌ من “كسل العقل” في زمن تقدّم فيه الخوارزميات كل الإجابات الجاهزة. لقد أجمع المتحدثون والحضور على أن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تحافظ على الفضول البشري، والقدرة على النقد، والحس الجمالي، والإبداع غير المبرمج. وأن مستقبل الثقافة يعتمد على قدرتنا على توظيف التقنية كجسر نحو المعرفة، لا كحاجز أمام التفكير المستقل.
لا يمكن اختتام هذا الحديث دون تحية إكبار للأديب حمود المزيني، الذي حوّل مزرعته إلى منارة ثقافية، تثبت أن التراث ليس حجراً ميتاً، بل تربة خصبة تنبت أفكاراً جديدة. وتحية للمحاضر الأستاذ عبدالله الحسني الذي أثرى العقول بسؤاله المصيري، وللأستاذ عوضه الزهراني الذي أدار الحوار بحكمة. لقد كانت هذه الأمسية تأكيداً على أن المجمعة – بتراثها وحاضرها – تبقى رقماً صعباً في معادلة الثقافة السعودية الواعدة.
في زمن تتسارع فيه الخوارزميات، وتتفوق الآلة في الكثير من المهام، تبقى الثقافة الإنسانية – بفنونها وأدبها وقيمها وإبداعها اللامحدود – هي الملجأ الأخير لتميّزنا، وهي الجذور التي تمنعنا من الانجراف في تيار الرقمنة العارم. وشكراً لكل من يساهم في ترسيخ هذه الحقيقة.
