في زوايا الميناء، وقف قارب صغير، بلمعانه الأخّاذ، وهيئته المتماسكة، كأنه يُخفي تحت سطحه أسرار العظمة. تهيّأ للرحيل بشغف المكتشف، ورفع مرساته معتقدًا أن في العزلة مجدًا، وفي الاستقلال بطولة. أبحر كأنّه طائر من نور، لا يهاب المدى، يتجاوز الموج، ويتراقص بثقة في وجه البحر المفتوح، وكأن الكون بأكمله يصفّق لخطوته الأولى.
لكن البحر لا يبتسم طويلًا لمن لا يعرفه. شيئًا فشيئًا، انطفأت الشمس، وبدأت الريح تعزف ألحانها القاسية. تلاطمت الأمواج وتكاثفت الغيوم، وتسللت قطرات الماء إلى قلب المركب المغرور، حتى بدأ يتشقق، يهتز، ويتفتت تحت وطأة الوحدة. همس لنفسه بجزع:
“أما من أحد؟! لقد خُدعتُ بنفسي!”
وحين رفع نظره من غرقه التدريجي، لمح من بعيد مجموعة من القوارب الصغيرة، متلاصقة، متماسكة كجسد واحد. لم يكن أحدهم يبحر بمفرده، ولم يكن بينهم من يتصدى للأمواج وحده. كانوا يتحركون بتناغم يشبه رقصة النجاة. كل حبلٍ يشد الآخر، وكل ذراع تمتد لا لنفسها، بل للجميع. هكذا عبروا، وهكذا نجوا.
هذه ليست حكاية بحر، بل مرآة لواقع الكثيرين في عالم العمل اليوم.
ففي زمن تغلي فيه التحديات، لم يعد التفوق مرهونًا بالفرد العبقري، بل بالفريق الذي ينهض بعضه ببعض. الجهود الفردية مهما علت، قد تضعف أمام أول أزمة حقيقية، أما المنظومات التي تبنى على روح التكاتف، فهي وحدها التي تصمد وتستمر
في المؤسسات الناجحة، لا يُعامل الفرد ككوكب معزول، بل كعنصر في منظومة تؤمن أن الإنجاز لا يُولد من عبقري منعزل، بل من تناغم عقول تتكامل، وأيدٍ تتساند.
فالبطولة ليست في أن تُبحر وحدك، بل في أن تختار مع من تُبحر.
ولعل أوّل الموج لا يُغرقك، لكن آخره لا يرحم من ظنّ أن يديه تكفيان وحدهما .
