في زمنٍ باتت فيه القيم تُختبر، والمواقف تُمحَّص، تظهر لنا حقائق الرجال لا في وقت الرخاء، بل حين تهبّ رياح الخلاف، ويعلو صوت المصالح. وحينها، لا يكشف الزمان لنا فقط من معنا، بل يُسقط الأقنعة عن أولئك الذين كان المعروف ثقيلاً على نفوسهم، فأنكروه وجحدوه.
خائنون هم…
من يعضّون اليد التي امتدت إليهم بعطاء، وينكرون المعروف كأنهم ما عرفوه يومًا. يتناسون من وقف إلى جوارهم وقت الضيق، ومن أنار لهم الطريق بعد الله حين تاهوا في عتمة الجهل.
يتجاهلون من علّمهم الحرف الأول، فهجوه بكتاباتهم، ومن صبر على زلاتهم حتى نهلوا من العلم، فلما اشتدّ ساعدهم، رموا سهام الغدر وجحدوا الجميل.
وكأن المعروف عارٌ يُنكَر، لا فضلٌ يُذكَر.
هؤلاء الحمقى،
ينطبق عليهم قول القائل: “علّمته الرماية، فلما اشتدّ ساعده، رماني.”
وبمجرد موقف بسيط أو خلاف عابر، يتحولون إلى أعداء حاقدين، باعوا الصداقة، وتنكّروا لسنين من الوفاء والمواقف، كأن ما بيننا كان سرابًا، لا عهدًا ولا أخوّة.
لكننا لا نندم.
لا على معروفٍ صنعناه، ولا على خيرٍ منحناه.
ففعل الخير لا يُنتظر منه جزاء، بل هو فضلٌ من الله يُعطى لمن يستحق، وإن جحده الناس، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وسنبقى كما نحن،
نُعطي، لا ضعفًا بل رفعة،
ونحمل قلوبًا لا تعرف الغدر، ولا تشبههم،
مهما اشتدت الجراح.
