لا يُعد القرآن الكريم مرجعًا روحيًا فحسب، بل هو أيضًا مصدر عظيم للحكمة في مختلف جوانب الحياة البشرية، بما في ذلك التعليم. ومن الأساليب التربوية المهمة التي يُركز عليها القرآن الكريم هو أسلوب التعلم الذاتي، الذي يعتمد فيه الأفراد على أنفسهم في عملية التعلم، دون الحاجة إلى معلم أو مرشد خارجي.
في عالمنا اليوم، يشجع التربويون على التعلّم الذاتي كوسيلة فعالة لتعزيز التفكير النقدي والإبداع والعادات التعلمية مدى الحياة بين الطلاب. هذا الأسلوب يُمكّن المتعلمين من السيطرة على مساراتهم التعليمية الخاصة، واستكشاف المعرفة بطريقة تكون ذات مغزى ومرتبطة باهتماماتهم. ومن المثير للإعجاب أن القرآن أقرّ وشجّع على هذا النهج منذ قرون. يحث القرآن المؤمنين على التأمل في خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، والسفن التي تجري في البحر، وغيرها من الظواهر، باعتبارها آيات لمن يعقلون. هذا التأمل يُقصد به أن يكون فرديًا، لتعزيز فهم عميق وشخصي للعالم الطبيعي وخالقه. يبرز هذا في الآية من سورة البقرة : “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )164:2)
ولا يقتصر هذا التأمل على التفكير الجماعي فحسب، بل يمتد إلى التفكير الفردي، كما جاء في سورة سبأ “قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ”.(46:34)، تؤكد هذه الآيات على أهمية التعلّم الذاتي ،وهي مهارة أساسية في المشهد التربوي الحديث. يُشجع القرآن على التأمل والتفكير المستقل، ما يدعم عملية تعليمية لا تتعلق فقط باكتساب المعلومات، بل بالتفكير العميق والنقدي الذي يقود إلى النمو الشخصي والفهم.
في أنظمتنا التعليمية الحالية، يُعترف بالتعلّم الذاتي كأداة قوية لتطوير الطلاب. فهو يتيح للمتعلمين متابعة اهتماماتهم، والتعلم وفقًا لسرعتهم الخاصة، والتفاعل مع المحتوى بطريقة تكون أكثر فعالية لهم. من خلال تعزيز التعلّم الذاتي، يمكن للمعلمين أن يساعدوا الطلاب على أن يصبحوا متعلمين أكثر مسؤولية واستقلالية وتحفيزًا وهي صفات ضرورية في عالمنا السريع والمتغير باستمرار.
تُظهر توجيهات القرآن الكريم بشأن التعلّم الذاتي مدى صلاحيته الزمنية. من خلال تشجيع المؤمنين على التأمل الذاتي والتفكير المستقل، يضع القرآن أساسًا لنهج تعليمي يظل حيويًا في العصر الحديث. وبينما نستمر في استكشاف وتنفيذ استراتيجيات التعلّم الذاتي في التعليم، نجد أنفسنا نتماشى مع الحكمة العميقة التي تحتويها تعاليم القرآن الكريم.
