حين يُذكر العمل التطوعي في معسكرات الخدمة العامة التي تُقيمها جمعية الكشافة العربية السعودية في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة كل عام، تحضر نماذج إنسانية صنعت أثرها بالصمت والعمل والوفاء، ومن بين تلك النماذج يبرز اسم القائد الكشفي عيسى بن عبدالعزيز التيسان، ابن محافظة الأحساء، الذي أمضى ثلاثةً وعشرين عاماً، تُقارب ربع قرن، متطوعاً في خدمة ضيوف الرحمن، متنقلاً بين مواسم الحج عاماً بعد عام، حاملاً معه شغف التطوير وروح المبادرة، ومؤمناً بأن العمل الكشفي رسالة سامية تتجدد أدواتها كلما تطورت الحياة.
لم يكن التيسان مجرد متطوع يؤدي مهاماً موسمية تنتهي بانتهاء الحج، بل كان واحداً من أبرز القيادات الكشفية السعودية التي أسهمت في صناعة التحول التقني داخل المعسكرات، حيث واكب منذ سنوات مبكرة المتغيرات الرقمية المتسارعة، وعمل على نقل معسكرات الخدمة العامة من الأساليب التقليدية إلى بيئة إلكترونية أكثر احترافية وكفاءة، واضعاً التقنية في قلب العمل الميداني لخدمة الحجاج؛ فمن رقمنة الأعمال الإدارية والتنظيمية، إلى تطوير قواعد البيانات، مروراً بتسهيل إجراءات التواصل والتنسيق، وانتهاءً بتعزيز التحول الرقمي في مختلف الأعمال التشغيلية، كان التيسان حاضراً بعقله وخبرته ورؤيته التي أدركت مبكراً أن نجاح العمل التطوعي الحديث لا ينفصل عن توظيف التقنية والاستفادة من أدواتها الذكية.
وعلى امتداد هذه السنوات الطويلة، ظل التيسان مثالاً للقائد الكشفي الذي يجمع بين روح التطوع وخبرة الميدان وفكر التطوير، فكان من القيادات التي لا تكتفي بأداء المهمة، بل تعمل على تحسينها وتجويدها والارتقاء بها، واضعاً نصب عينيه أن خدمة الحاج شرف ومسؤولية تتطلب عملاً متقناً يواكب تطلعات الوطن ورؤية المملكة في التحول الرقمي وجودة الخدمات؛ لذلك لم يكن غريباً أن ترتبط مسيرة المعسكرات في جانبها التقني بكثير من مراحل التطوير التي شهدتها خلال العقود الماضية، حيث أسهم بعطاءاته وأفكاره ومتابعته المستمرة في بناء منظومة إلكترونية أكثر مرونة وتنظيماً، قادرة على دعم العمل الميداني ورفع كفاءته وتسريع إجراءاته.
ورغم هذا الحضور التقني اللافت، بقي الجانب الإنساني في شخصية عيسى التيسان هو العنوان الأبرز في مسيرته؛ إذ عرفه زملاؤه بدماثة الخلق، وحسن المعشر، وروح التعاون، والإيمان العميق بقيمة العمل الجماعي، وهي الصفات التي جعلت منه قدوة للكثير من القيادات الكشفية الشابة التي وجدت فيه نموذجاً للقائد المتطوع الذي يُسخّر خبرته ووقته وجهده لخدمة الآخرين دون انتظار مقابل؛ كما عُرف بحرصه الدائم على نقل المعرفة، وتشجيع الشباب على مواكبة التطورات التقنية، والاستفادة من أدوات العصر في تطوير العمل التطوعي، مؤمناً بأن الاستثمار الحقيقي يكمن في بناء الإنسان وتأهيله وتمكينه.
لقد استطاع عيسى التيسان خلال مسيرته الطويلة أن يثبت أن العمل التطوعي ليس مجرد ساعات تُقضى في أداء الواجب، بل مشروع عمر ورسالة إنسانية متجددة، وأن التقنية حين تقترن بالإخلاص والشغف تتحول إلى قوة تصنع الفرق وتترك أثراً دائماً؛ وبين أروقة المعسكرات ومواقع الخدمة في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، بقي اسمه حاضراً بوصفه أحد الرواد الذين أسهموا في صناعة نقلة نوعية في العمل الكشفي التقني، ليظل نموذجاً وطنياً مضيئاً لقائدٍ وهب ربع قرن من عمره لخدمة الحجاج، وسخّر خبرته لتطوير العمل الكشفي، مؤمناً بأن أعظم الإنجازات هي تلك التي تُنجز بإخلاص في خدمة الإنسان والوطن.
مبارك بن عوض الدوسري
